top of page

مدينة الحجارة، آلاف السنين من الحياة و الفن في حوض جبل ثيشوكت

تُبين دلائل عديدة على وجود إنسان ما قبل التاريخ بالأطلس المتوسط الشرقي، رغم أن حيثيات هذا التواجد والتعمير لا زالت غير معروفة بالكامل.

وقد تم التعرف على عدة مواقع في المناطق القريبة جدا من جبل ثيشوكت، نذكر منها منطقة "أضار أُوعوين"، "إيفري أوسعيد"، "ثيفريت أوسوسي"، وعديد المواقع المنتشرة على حافات وادي "مُّودمام" بجوار دوار "الصّفّْ"، كل هذه المواقع يتوسطها الموقع الجيومورفولوجي المتميز، والذي أطلق عليه الدارسون اسم "مدينة الأحجار"، بينما يسميه أهل المنطقة "ثافزْوين".


تقدم منطقة "مدينة الأحجار" مجموعة من المواقع الأثرية والحفريات التي تغطي فترة واسعة بدءًا من العصر الحجري القديم الأعلى إلى العصور القديمة أو حتى الفترات الأقرب تاريخيا. لقد قدم البحث الذي تم إجراؤه في هذه المنطقة بالفعل قدرًا كبيرًا من المعلومات المتعلقة بإنسان ما قبل التاريخ وبيئاته.

"إفري أوسعيد" من أفضل مواقع الدببة في شمال إفريقيا. يقدم ما لا يقل عن خمسة أفراد من فصيلة Ursus arctos بينما ما زالت الحفريات في بداياتها. إن فحص أسنان العينات بالإضافة إلى قامتها المتوسطة يجعلها أقرب إلى Ursids في العصر الحجري الحديث. وربما كانت هذه المنطقة موطنًا لواحد من آخر مجموعات الدببة البنية في المغرب. كما يربط وجود شظايا الصوان والفحم رجل ما قبل التاريخ بهذا الموقع، مما يجعل الموقِعَ مُمْتعًا بشكل مضاعف، و قد نعود إلى تفصيل ذكره في مناسبة اخرى.


"مدينة الأحجار" غنية جدًا بالصناعة الحجرية والآثار الجنائزية. واحد من آثارها استثنائي نظرا لهندسته، حيث يبدو وكأنه حجرة جنائزية تحت بلاطة كبيرة من الحجر الرملي الطبيعي، بينما شكَّلَ مدفنًا متعددًا. يتكون هذا الموقع من مدافن متتالية لثلاثة أفراد على الأقل، ومن الملاحظ أنه مع كل دفن جديد، كان هناك إعادة تأثيث وتغيير لمعالم الدفن السابق. ويرتبط مكان الدفن هذا بالعثور على سوارين وإبرة من سبائك النحاس، حيث من المُرجّح أنه نصبٌ جنائزي عائلي.

في مقبرة وادي "مُّودمام بولامة"، كشفت أعمال التنقيب في المدفن الأول عن دفن رئيسي لشخصين كاملين تقريبا. أولاً، تم دفن فتاة مراهقة في وضع الاستلقاء الجانبي الأيمن، والثاني ذكر بالغ في وضع الاستلقاء على الظهر. ارتدى الفرد الأول زخارف غنية تتكون من ثلاث حلقات من سبائك النحاس وربما عقد مكون من عدة خرزات بأحجام وألوان مختلفة.

تبدو هذه طُرُقاً مختلفةً للدفن، وممارسات جنائزية مثيرةً للدراسة.



العلاقات بين مقبرة "مدينة الأحجار" وجبانة وادي "مُّودْمام بولامة"، قريبة جدا دونما شك، ولكنها ما زالت بحاجة إلى التمحيص، بينما تشير الدراسات الأولى إلى أمد زمني يناهز 2300 سنة، منذ إنشاء بعض هذه المقابر.

كما تقدم مجموعة اللُّقى في " مُّودْمام " قطعًا استثنائية لطبيعة اللآلئ تتميز أيضًا بجودتها الفنية. إن وجود هذه الإبداعات في هذه المنطقة يتحدانا ويستفزٌّنا بأكثر من طريقة في مجال فنون الزينة لسكان الأطلس المتوسط.

تبدو الحفريات القادمة واعدة، البحث المستمر والدراسة المتعمقة لهذه المواقع المختلفة في تنوعها سيسمح بلا شك بمعرفة أفضل لهؤلاء السكان وفهم أفضل لطريقة حياتهم، تطور بيئتهم وممارساتهم الطقسية، وطبيعة التفاعلات بين هؤلاء السكان وبيئتهم بمرور الوقت.



ويبقى دورنا الحالي و المستقبلي، كمجتمع مدني و كَمِهنيِّين، مُنتخبين محليين و إقليمين و جهوين، أكاديميين، مؤسسات حكومية و غير حكومية، و شباب واعي من أبناء الساكنة الجبلة المحلية، يبقى دورنا الأساسي أولا هو حفظ هذه المواقع و صونُ رصيدها الثقافي و العلمي، ثم تثمين هذا الرصيد بما يُمَكّنُ من خلق دينامية تنموية مجالية، تستفيد من عائداتها المادية مكونات الساكنة الجبلية المحلية أولا، و تعُمَّ منافعها العلمية على جميع المغاربة الشغوفين بتراث الوطن.


تجدون مؤهلات أخرى متعددة، للمجال الجبلي المتفرد بحوض جبل ثيشوكت، على الرابط التالي:





تم الاعتماد في إعداد هذه المادة على أبحاث فريق الأستاذ محمد بن عبد الهادي، كلية العلوم والتقنيات، جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، من خلال الاطلاع على ملخص دراسة بعنوان: "مواقع جديدة لما قبل التاريخ في الأطلس المتوسط المغربي: نتائج الأبحاث الأولى" المنشورة سنة 2017


Comentarios


bottom of page